الرئيسية / مقالات

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي في عملك اليومي؟

كمال الحريبي · نُشر في 8 نوفمبر 2026 · قراءة 4 دقائق

باختصار
  • الذكاء الاصطناعي يغيّر مهاماً داخل الوظيفة قبل أن يغيّر الوظيفة نفسها، فراقب مهامك وقسّمها.
  • أعطه سياق المهمة ونماذج من كتابتك ليكتب بأسلوبك، ولا تسأله عما يتغيّر بسرعة بلا مصدر.
  • وثّق أثر استخدامه بالوقت والنتيجة، فالأثر هو ما يراه مديرك.

وظيفتك لن تختفي صباح الأحد. لكن بعض مهامك قد تبدأ بالاختفاء، واحدة بعد أخرى.

كثير من الناس يسألون: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي (AI) وظيفتي؟ والسؤال الأدق: أي جزء من وظيفتي سيتغيّر أولاً؟

الوظيفة سلة مهام

41% من أصحاب العمل يخططون لتقليص موظفين بسبب الذكاء الاصطناعي بحلول 2030، و77% يخططون لإعادة تأهيل موظفيهم، والرقمان من تقرير مستقبل الوظائف للمنتدى الاقتصادي العالمي (WEF). وماكنزي (McKinsey) تقدّر أن نصف أنشطة العمل الحالية قابلة للأتمتة. وهنا يُقرأ الرقم خطأ في أغلب النقاشات، فالنصف لا يعني نصف الوظائف، بل نصف الأنشطة داخل الوظائف، والفرق بينهما هو الذي يحدد من يبقى.

وفي رقم ماكنزي تفصيل يُغفل عادة. هي لا تحدد 2045 تاريخاً محسوماً، بل تعطي مدى يمتد بين 2030 و2060، و2045 نقطة وسطى بين سيناريوهين. المدى ثلاثون سنة، والفارق فيه سرعة التبنّي، أي أن التوقيت يحدده قرار داخل كل منشأة.

والوظيفة مجموعة مهام: كتابة، وتحليل، ومراجعة، وتنسيق، وبحث، وقرار. والذكاء الاصطناعي لن يتعامل معها كلها بالطريقة نفسها. بعضها يمكن اختصاره، وبعضها يمكن تجهيز مسودته، وبعضها سترتفع قيمته لأنه يحتاج حكماً بشرياً أقوى. والمهام التي تُؤتمت أولاً معروفة: تجميع بيانات، وتنسيق تقارير، وتلخيص اجتماعات، ومتابعة طلبات، ونقل معلومات من ملف إلى آخر. من كانت وظيفته كلها من هذا النوع هو المعرّض، ومن يؤتمت هذه المهام ليفرّغ وقته لعمل أثقل، يبقى.

لذلك راقب مهامك أكثر من مسمّاك الوظيفي، وقسّمها إلى أربع:

  • مهام متكررة يمكن أتمتتها.
  • مهام يساعدك فيها الذكاء الاصطناعي.
  • مهام تحتاج حكمك.
  • مهام سترتفع قيمتها مستقبلاً.

والخطر أن تتغيّر وظيفتك ببطء، وأنت تعمل بالطريقة نفسها.

الوظيفة الثانية التي لا تتقاضى عنها راتباً

قد تعمل في وظيفتين، وتتقاضى راتب وظيفة واحدة: وظيفتك الأساسية التي وُظّفت لأجلها، ووظيفة ثانية خفية لا تظهر في مسماك. تجميع معلومات، وتنسيق تقارير، وتلخيص اجتماعات، وإعادة صياغة رسائل. هذه المهام تبدو صغيرة، لكنها تستهلك جزءاً كبيراً من يومك، ولا تستخدم خبرتك الحقيقية. المحاسب يتحول إلى منسق بيانات، والمدير إلى محرر تقارير.

ولهذه الوظيفة ثمن يمكن حسابه. لنفترض أن راتبك 30,000 ريال، إذن ساعة عملك تساوي نحو 170 ريالاً. لو كنت تقضي ساعتين فقط أسبوعياً في التلخيص والتنسيق وإعادة الصياغة، فأنت تستهلك نحو 17,700 ريال سنوياً من قيمة وقتك. والمبلغ ما ضاع نقداً، لكنه وقت مرتفع القيمة يُصرف في مهام لا تصنع قيمتك الأساسية.

والذكاء الاصطناعي لا يلغي هذه المهام كلها، لكنه قد يتولى الجزء الأول منها: يجمع، ويلخص، ويرتب، ويقترح المسودة. ثم تأتي أنت للمراجعة والتعديل والحكم. وهنا الفرق بين استخدامه كتجربة واستخدامه في العمل. بعض الموظفين يسألونه أسئلة متفرقة، ومن يفهمه يبحث عن المهام المتكررة التي تستنزف وقته، مثل إعداد المسودات وتلخيص الاجتماعات واستخراج النقاط والمهام.

لماذا يبدو ما يكتبه لك عاماً

زملاؤك ومديرك يعرفون أن الخطاب كتبه ChatGPT، لا أنت. اللغة سليمة، والترتيب جيد، لكنه بلا صاحب، ولا سطر واحد فيه يشبه طريقتك. ونفس الشيء يتكرر مع Claude وGemini وغيرهما: مخرج عام لا يقول ما في رأسك.

والسبب أن النموذج لم يقرأ لك سطراً واحداً، ولا يعرف من سيقرأ ما يكتبه لك، فيلجأ إلى الوسط الآمن: لغة عامة تصلح لأي أحد، ولا تخدم أحداً. والحل أن تعطيه سياق المهمة قبل أن تطلب، وخمسة أشياء تكفي:

  • المهمة بالتحديد، لا عنوانها العام.
  • المدخلات: ملف أو أرقام أو محضر اجتماع.
  • نموذجان أو ثلاثة من نصوص كتبتها بيدك.
  • من سيقرأ المخرج، ومستوى معرفته بالموضوع.
  • معيار الجودة: الطول والنبرة وحدود ما يُذكر.

وأعد قراءة نماذجك قبل أن تعطيه إياها، فالنص الذي كتبته على عجل يعلّمه العجلة. وحدد ما لا يُسلَّم بلا مراجعتك، فالأرقام والأسماء والالتزامات تبقى مسؤوليتك أنت.

تقرير لمجلس إدارة يختلف عن تقرير لزميل في القسم: نفس الأرقام، بنبرة مختلفة وتفصيل مختلف. بطلب من سطر واحد تعيد كتابة المسودة كلها، وبسياق مكتوب مرة واحدة تصحح المسودة في دقائق. والسياق يُكتب مرة، ويُعاد استخدامه دائماً، لأن النموذج يكرر الأسلوب الذي تريه إياه.

فيديو قصيرملف التسليم (Handoff): حين ينسى الذكاء الاصطناعي تعليماتكفي المحادثة الطويلة يرجع لأسلوب منعته عنه أو ينسى شرطاً وضعته. اطلب منه ملف تسليم فيه تعليماتك وقراراتك ووين وصلتوا، وكمّل به في محادثة جديدة.
اقرأ نص الفيديو

ما لاحظت إن الذكاء الاصطناعي الـ AI يبدأ معك فاهم كل تعليماتك، وبعد ما تطول المحادثة ينساها؟ طلبت منه من البداية: لا تكتب بأسلوب رسمي، وبعد نص ساعة رجع يكتب رسمي كأنك ما طلبت منه شيء، وتعيد عليه ويرجع ينسى؟

هو مو معاند. المحادثة مثل سبورة مساحتها محدودة، كل رسالة تاخذ مكان، ولما تمتلي يبدأ يضيع منه الكلام القديم، وأول كلام في المحادثة هو تعليماتك. هذي اسمها ذاكرة المحادثة، أو نافذة السياق (Context Window).

متى تعرف إنها امتلأت؟ يرجع لأسلوب منعته عنه، ينسى شرط حطيته، يعيد سؤال جاوبته.

الحل: لا تبدأ من الصفر، ولا تعيد كل شيء بنفسك. اطلب منه ملف تسليم (Handoff). اكتب له: اكتب لي ملف تسليم كامل فيه تعليماتي من البداية، والقرارات اللي اعتمدناها وأسبابها، ووين وصلنا، ووش الخطوة الجاية. انسخه، افتح محادثة جديدة، وألصقه في أول رسالة. سبورة نظيفة، وتعليماتك في أول سطر. وكل ما حسيت إنه نسي تعليماتك، ارجع لهذا الفيديو.

لا تسأله عما يتغيّر بسرعة بلا مصدر

اسأل ChatGPT عن سعر اشتراكك فيه، أو اسأل Claude عن ميزة في تطبيقه، وغالباً يعتذر ولا يجيب، أو يعطيك معلومة قديمة. يبدو الأمر غريباً، وله سببان. الأول أن النموذج (Model) يعرف ما دُرِّب عليه فقط، والتدريب يتوقف عند تاريخ معيّن، وكل ما جاء بعده خارج معرفته، ومنه المنتج الذي يعمل هو بداخله.

وهنا يقع الخلط الأكبر. النموذج شيء، والتطبيق (App) شيء آخر. النموذج محرّك، والتطبيق سيارة تتغيّر كل شهر، والأسعار والباقات والأزرار والسياسات تتبدل باستمرار، والمحرّك لم يُدرَّب على أي منها. والسبب الثاني لا علاقة له بالمعرفة: بيانات حسابك وفواتيرك داخل أنظمة مغلقة، والنموذج معزول عنها بحكم الصلاحيات. لذلك يذهب للبحث في الإنترنت حين يستطيع، والبحث يسد جزءاً من الفجوة فقط.

والخطر ليس حين يقول لا أعرف، بل حين يجيب بثقة بمعلومة قديمة: سعر تغيّر، أو لائحة عُدّلت، أو نظام أُلغي. والقاعدة العملية بسيطة: كل ما يتغيّر بسرعة لا تسأله عنه بلا مصدر. أعطه المستند، أو اطلب منه البحث مع الإحالة. فالنموذج ممتاز في المعالجة والتحليل، وضعيف بوصفه مرجعاً محدّثاً.

حوّل الاستخدام إلى أثر يُرى

مديرك لن يرقّيك لأنك تستخدم ChatGPT. قد يرقّيك لأن عملك أصبح أسرع وأدق وأكثر فائدة، والفرق كله في جملة واحدة تقولها. الموظف العادي يقول: "استخدمت الذكاء الاصطناعي". والموظف الذي يُلاحَظ يقول: "خفّضت وقت إعداد التقرير من 4 ساعات إلى ساعة، مع مراجعة بشرية قبل التسليم". الأولى تتحدث عن وسيلة، والثانية عن أثر، ومديرك يكافئ الأثر.

والمشكلة أن كثيراً من الموظفين يستخدمون الذكاء الاصطناعي، لكنهم لا يوثقون ما تغيّر، فيظهر الاستخدام كأنه عادة شخصية. ولكي يتحول إلى إنجاز، وثّق خمسة أشياء:

  • المهمة قبل.
  • الوقت قبل.
  • الطريقة الجديدة.
  • الوقت بعد.
  • الفرق في الجودة أو النتيجة.

فالذي يرفعك مهنياً أن تحوّل استخدامك للذكاء الاصطناعي إلى نتيجة يمكن شرحها وقياسها وتكرارها.

أي مهمة في عملك تظن أنها ستتغيّر أولاً؟

تواصل معي