- البنوك تخفّض الطبقة الوسطى أولاً، لأن جزءاً كبيراً من عملها جمع المعلومات وتلخيصها، وهذا ما يقوم به الوكيل اليوم.
- التسريح يأتي مع أرباح قياسية، وليس كل تسريح يُعلن معه الذكاء الاصطناعي سببه الذكاء الاصطناعي.
- قبل أي قرار في منشأتك: خريطة للعمل الفعلي، ورقم أساس لكل مهمة، وفصل بين ما سببه الذكاء الاصطناعي وما هو قرار هيكلي.
Bank of America خفّض مدراءه نحو 5% في سنة، وزاد موظفي خدمة العملاء.
وفي أسبوع واحد من أكتوبر أعلنت American Express تسريح نحو 5% من موظفيها، وبنك Barclays نحو 5,000 وظيفة، وبنك أستراليا الوطني (NAB) ما يصل إلى 2,500 وظيفة. وقبلهم نقلت Financial Times عن مصادر أن HSBC يخطط لتقليص نحو 70% من مستشاريه الماليين في وحدة الثروات البريطانية.
من يتابع هذه الأخبار يومياً يقرأها خبراً بعد خبر. لكن حين توضع جنباً إلى جنب يظهر نمط واحد، ويستحق أن يفهمه أي رئيس تنفيذي في السعودية قبل أن تصل الموجة إلى قطاعه.
البنك مصنع معلومات، والرواتب أكبر بنوده
البنك لا يصنع منتجاً تلمسه. شغله اليومي استقبال مستندات والتحقق منها وتقييم مخاطرها والرد على أسئلة العملاء حولها، وهذا بالضبط نوع العمل الذي يتقنه اليوم وكيل الذكاء الاصطناعي (AI Agent) حين يُبنى على إجراءات واضحة.
ولأن المنتج معلومات، فأكبر بند في مصروفات البنك هو الناس الذين يعالجونها، ومساحة التوفير الحقيقية عنده محصورة تقريباً في الرواتب والموردين.
والسوق يحاسب البنك على هذا البند عبر نسبة الكفاءة (Efficiency Ratio)، وهي ما يصرفه البنك مقابل كل ريال من الإيرادات، وكلما انخفضت كان أفضل. بنك Wells Fargo نزل بها من 65% إلى 63% خلال سنة، يعني صار يصرف 63 هللة بدل 65 ليحقق ريالاً واحداً، وفي نفس الفترة انخفض عدد موظفيه 8%.
التسريح يأتي مع الأرباح القياسية
هذه الموجة لا تأتي من بنوك متعثرة. American Express أعلنت التسريح في ربع حققت فيه إيرادات قياسية بلغت 20.1 مليار دولار، وبنك Barclays أعلنه مع نتائجه الفصلية ووفّر متوقع يتجاوز 1.1 مليار جنيه إسترليني.
الشركة المتعثرة تعيد هيكلتها لأنها مضطرة. أما هذه البنوك فتدفع فاتورة إعادة الهيكلة وهي في أرباع قوية، والفاتورة ليست صغيرة: بنك NAB وحده قدّر تكلفة خطته بنحو 300 مليون دولار. يعني القرار اختيار لتحسين الهامش، وليس علاجاً لأزمة. والمدير المالي لـ American Express قالها صراحة لقناة CNBC: إزالة طبقات الإدارة تجهّز الشركة لاستخدام الذكاء الاصطناعي لاحقاً. يعني التسريح سبق استخدام الذكاء الاصطناعي، والبنك يعيد تشكيل هيكله على مقاس الأداة قبل أن تكتمل.
لماذا الطبقة الوسطى أولاً
في Barclays نحو 60% من التخفيض في الوظائف المساندة، ومنها المبرمجون. وبنك NAB استهدف الوظائف المكتبية والإدارة العليا واستثنى خدمة العملاء. ورئيس أعمال Goldman Sachs في آسيا قال إن الموظف الجديد يدير وكلاء الذكاء الاصطناعي من أول يوم، وإن البنك لا يعرف بعد ما مصير الإدارة الوسطى.
السبب في طبيعة عمل المدير الأوسط. جزء كبير من يومه جمع معلومات من الفريق وتلخيصها ورفعها للإدارة ومتابعة التنفيذ، وهذا ما يقوم به الوكيل اليوم بتكلفة أقل. عشان كذا يضيق وسط الهرم الوظيفي، وتبقى القاعدة التي تخدم العميل والقمة التي تقرر.
والتصنيف الوظيفي لا يحمي صاحبه. مستشارو الثروات في HSBC عملهم قائم على العلاقة مع العميل ومع ذلك تشملهم الخطة، والمبرمجون في Barclays يملكون المهارة التقنية التي يُقال إنها تحمي.
حين يكون الذكاء الاصطناعي عنوان الخبر فقط
ليس كل تسريح يُعلن معه الذكاء الاصطناعي سببه الذكاء الاصطناعي. عدد موظفي Wells Fargo ينخفض كل ربع منذ ست سنوات بحسب رئيسه التنفيذي، أي قبل الوكلاء بكثير. وبنك NAB لم يذكر الذكاء الاصطناعي صراحة، واكتفى بعبارة "التغير التقني السريع". وشركة FICO ربطت تسريح 15% من موظفيها بالذكاء الاصطناعي، بينما سهمها هابط نحو 58% بعد أن فقدت حصريتها في تقييم قروض الرهن العقاري.
والدافع مفهوم: السوق يعاقب الشركة التي تعلن أن أعمالها تنكمش، ويكافئ التي تعلن أنها تتحول بالذكاء الاصطناعي، فيصبح الذكاء الاصطناعي العنوان الأسهل لأي تخفيض.
وحتى حين يكون هو السبب فعلاً، يبقى سؤال لا تجيب عنه أغلب هذه الإعلانات: كم وفّر بالضبط؟ في التشخيصات التي أعمل عليها داخل المنشآت، أول ما أطلبه هو وقت المهمة وتكلفتها الحالية قبل أي وكيل، وكثيراً لا أجدها. المهام تُختار لأنها تبدو مناسبة للذكاء الاصطناعي، دون دراسة تحدد مسبقاً أين سيظهر الوفر وكيف سيُقاس، فينطلق المشروع بلا خط أساس (Baseline) يُقارن به.
وهنا يصبح خبر JPMorgan لافتاً. مديره المالي قال هذا الشهر إن تقدير الوفر السنوي البالغ ملياري دولار أصبح قديماً، وإن البنك يبتعد عن قياس عائد الذكاء الاصطناعي بالأرقام. وأقرأ ذلك كنتيجة متوقعة: حين لا يُبنى القياس مع اختيار المهام من البداية، يصعب إثبات الرقم لاحقاً، حتى على أكبر بنك أمريكي.
ماذا يعني هذا لمنشأة سعودية
في رصدي اليومي للأسابيع الثلاثة الماضية لم أجد بنكاً سعودياً أو خليجياً أعلن تخفيضاً مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي. لكن المنطق نفسه موجود في كل منشأة لديها عمل مكتبي كبير مثل التأمين والاتصالات والتوزيع: تكاليف تغلب عليها الرواتب، وطبقة وسطى تقضي وقتها في نقل المعلومات.
وقبل أي قرار، هناك ثلاث مراحل أمرّ بها مع أي منشأة:
خريطة للعمل الفعلي في الطبقة الوسطى، تكشف أين يذهب الوقت قبل أن يُطرح سؤال عدد الموظفين.
رقم أساس لكل مهمة مرشحة، حتى يكون للوفر لاحقاً ما يُقاس عليه أمام مجلس الإدارة.
فصل واضح بين ما سببه الذكاء الاصطناعي وما هو قرار هيكلي، حتى يُحاسَب كل قرار على ما وعد به.
ولكل مرحلة أدواتها وأسئلتها، ونتيجتها مختلفة في كل منشأة.
البنوك سبقت غيرها لأن منتجها معلومات وأكبر تكاليفها بشرية. والمنشآت التي تشبهها ستواجه نفس السؤال، والفرق بين من يجيب عنه بخريطة وأرقام ومن يجيب عنه بعدد الموظفين.
كم مهمة في منشأتك تعرف اليوم كم تكلّف، قبل أن تقرر أيها يتولاه وكيل ذكاء اصطناعي؟