- الوفر حقيقي على مستوى المهمة، لكنه يتسرّب قبل أن يصل إلى القوائم المالية.
- يتسرّب في ثلاثة أماكن: وقت يضيع في التصحيح، وتكاليف لم تكن في الحسبة، ووفر يُصرف قبل أن يُرى.
- العلاج يبدأ باختيار المهمة الصح وإعادة تصميم العمل، مع رقم أساس (Baseline) لكل مهمة قبل البدء.
13% فقط من مدراء التقنية يرون قيمة كبيرة من استثمارات الذكاء الاصطناعي.
هذا ما وجدته غارتنر (Gartner) في مسح شمل أكثر من 2,000 مدير تقنية، و58% منهم يواجهون اليوم ضغطاً متزايداً لإثبات الوفر. وفي الربع الثالث ارتفعت مصروفات جي بي مورغان (JPMorgan) 12%، ومديره المالي يقول إن أثر الذكاء الاصطناعي لم يظهر بعد في النتائج.
والغريب أن الوفر حقيقي على مستوى المهمة، والموظف يحسّه كل يوم. لكنه لا يصل إلى القوائم المالية، لأنه يتسرّب في الطريق.
اقرأ نص الفيديو
80% من الموظفين يقولون إن نموذج الذكاء الاصطناعي الـ AI رفع إنتاجيتهم، بس 37% بس من الشركات تشوف له أثر على أرباحها. تخيل شركة عادية وفرت الـ AI لكل موظف، صاروا يلخصون الإيميلات أسرع ويكتبون التقارير أسرع، والكل مبسوط.
آخر السنة فتح المدير المالي القوائم المالية: نفس الرواتب، نفس المصاريف. الساعات اللي توفرت من استخدام الـ AI دفعت الشركة راتبها كامل، وما تنعكس مالياً إلا إذا قللت مصروف أو زادت إيراد. يعني ساعات إضافية توقفت، أو توظيف جديد ما عاد له داعي، أو عقد خارجي انلغى، أو نفس الفريق صار يبيع أكثر.
تلخيص الإيميل يوفر للموظف دقايق، وساعات خلال الشهر، لكن تكلفة الموظف ما زالت موجودة. شغلي إني أحدد قبل أي شيء أي مهمة تكلف الشركة فعلاً، وأي مهمة لو استعنا فيها بالـ AI تبان نتيجتها في القوائم المالية. أنا أبدأ بالتشخيص، أعرف وين الخلل وكم يكلف. الذكاء الاصطناعي آخر خطوة عندي، لا أولها.
أين يذهب الوفر
الأول: الوقت ينملي أو يضيع في التصحيح. دراسة لورك داي (Workday) وجدت أن الموظف يوفّر 3.6 ساعات أسبوعياً، ويصرف 3.4 ساعات في تصحيح المخرجات، فيبقى له 12 دقيقة. وتوقعي الأكبر أن هذا التصحيح ليس لأخطاء وكيل ذكاء اصطناعي (AI Agent) يعمل وحده، بل لنص طلبه الموظف بنفسه من أداة مثل ChatGPT ثم جلس يعدّله. طلب غامض، فرد عام، فساعات من الإصلاح. وفي مسح داتاريلز (Datarails) لـ 270 مديراً مالياً، تقضي فرق المالية 26% من أسبوعها في مراجعة ما أنتجه الذكاء الاصطناعي.
الثاني: تكاليف لم تكن في الحسبة. أكسنتشر (Accenture) اضطرت تحدد سقفاً لاستخدام Claude بنحو 29 دولاراً للموظف شهرياً، بعد أن وصل بعضهم إلى قرابة 1,000 دولار. وفي تقرير جي تو (G2) الذي شمل أكثر من 1,000 مشترٍ، قال 46% إن تكاليف التشغيل جاءت أعلى من المتوقع، و45% إن مراقبة الوكلاء وتصحيحها تأكل أكثر من ربع المكاسب.
الثالث: الوفر يُصرف قبل أن يُرى. آي بي إم (IBM) تقول إن ثلث وفرها من الذكاء الاصطناعي فقط يصل إلى الهامش، والباقي يُعاد استثماره في البحث والتسويق. قرار مشروع، لكن مجلس الإدارة يرى فاتورة الأداة ولا يرى ما وفّرته.
لماذا يحدث هذا
الجذر الأول: الإنفاق ذهب للمكان الظاهر. تقرير لمعهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) في أغسطس 2025 وجد أن الشركات وجّهت الجزء الأكبر من ميزانيات الذكاء الاصطناعي إلى المبيعات والتسويق، بينما كان أعلى عائد في العمليات الخلفية مثل خدمة العملاء والموارد البشرية. والصورة نفسها تتكرر بشكل آخر: شركة أراكيس للأمن (Arrakis Security) وجدت أن 76% من وكلاء الذكاء الاصطناعي عند عملائها متوقفون منذ أكثر من شهرين. منشآت بنت الوكيل ودفعت فيه، ثم لم تجد له عملاً.
الجذر الثاني: الأداة رُكّبت على العمل القديم. حين تضع الأداة داخل نفس الإجراءات ونفس الأدوار، لا يجد الوقت الموفَّر مكاناً يذهب إليه، فيتحول إلى مراجعة أو عمل جديد. غارتنر وجدت أن 4% فقط يعيدون تصميم الأدوار حول الذكاء الاصطناعي، وهؤلاء أكثر قدرة على تحقيق القيمة بنحو 2.4 مرة. ودراسة من جامعة هارفارد على أكثر من 700 شركة برمجيات تُظهر ما يحدث عكس ذلك: وكلاء البرمجة رفعوا حجم الكود 30% دون تحسن يُذكر في إنجاز المهام، بينما ارتفع وقت المراجعة البشرية 49%. عنق الزجاجة انتقل من مكان إلى مكان، والإنتاج النهائي بقي كما هو.
الجذر الثالث: لا أحد قاس نقطة البداية. نحو 30% من شركات S&P 500 تعلن أثراً للذكاء الاصطناعي، لكن 2% فقط تتابع مؤشراً واضحاً له، بحسب أندريسن هورويتز (a16z). وبدون رقم أساس (Baseline) لكل مهمة قبل دخول الأداة، لن تعرف كم وفّرت ولا أين تسرّب الوفر، وكل ما يصل للإدارة آخر السنة هو بند مصروفات جديد.
لكل منشأة تسريبها الأكبر
في منشأة يأكل التصحيح أغلب الوفر، وفي أخرى تأكله الفاتورة، وفي ثالثة ذهب المال لمهمة لم تكن تستحقه من الأساس. ومعرفة أيها الأكبر عندك تحتاج نظرة من داخل المنشأة نفسها.
وعلاج كل حالة مختلف:
اختيار المهمة الصح قبل شراء أي أداة أو بناء أي وكيل.
إعادة تصميم العمل حول الأداة، حتى يجد الوقت الموفَّر مكاناً يذهب إليه.
ضبط الفاتورة قبل أن تتحول التوكنز إلى بند مفتوح.
تدريب الموظفين على الأداة التي عندهم أصلاً.
الأولى والثانية هما نقطة البداية في كل تشخيص أعمل عليه داخل المنشآت. أغلب المنشآت تأتي وسؤالها "أي أداة نشتري؟"، والسؤال الذي يحدد العائد يسبقه بخطوة: أين سيظهر الوفر في هذه المنشأة بالذات؟
أما التدريب، فأقصد به تدريباً مبنياً على مهام الموظف الفعلية في عمله. كثير من الموظفين أخذوا دورات في الذكاء الاصطناعي، أونلاين أو من جهة عملهم، ثم عادوا لنفس طريقة الاستخدام، لأن الدورة شرحت الأداة بأمثلة عامة بعيدة عن يومهم. وهذا ما لاحظته وبنيت عليه دوراتي التدريبية.
أي هذه التسريبات تتوقع أنه الأكبر في منشأتك، وهل عندك رقم يثبت ذلك؟